عقد البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن جلسة حوارية ضمن فعاليات مؤتمر التمويل التنموي في مركز الملك عبد العزيز الدولي للمؤتمرات، حملت عنوان من التحديات إلى الفرص: التمويل المبتكر للتنمية في سياق اليمن، وجمعت على منصة واحدة ممثلي الحكومة اليمنية وعددًا من الشركاء الدوليين والإقليميين في مجالات التمويل والتنمية والتعليم.
واستعرضت الجلسة أولويات التمويل التنموي في اليمن، والفجوات القائمة، وجاهزية المشاريع التنموية، إلى جانب حوكمة أدوات التمويل المبتكر بهدف تعظيم الأثر وضمان الاستدامة.
شارك في النقاش المهندس حسن العطاس مساعد المشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومستشار رئيس الوزراء اليمني السفير مجيب محمد عثمان، والسيدة لورا فريجنتي الرئيسة التنفيذية للشراكة العالمية من أجل التعليم، والسيد صلاح خالد مدير مكتب اليونسكو الإقليمي لدول الخليج واليمن، والدكتورة سميرة التويجري كبيرة خبراء السكان والتنمية في البنك الدولي، فيما أدار الجلسة مساعد المشرف العام في البرنامج للعلاقات المؤسسية ورئيس قطاع الاتصال والتعاون الدولي الأستاذ عبدالله بن كدسه.

2025 عام مفصلي في مسار التعافي الاقتصادي
السفير مجيب محمد عثمان وصف عام 2025 بأنه عام مفصلي للحكومة اليمنية في مسار التعافي الاقتصادي، موضحًا أن السنوات العشر الماضية شهدت تنفيذ معظم المشاريع عبر منظمات دولية بعيدًا عن مؤسسات الدولة، وأن المرحلة الحالية تمثّل انتقالًا إلى شراكات مباشرة مع الحكومة اليمنية في إعداد وتنفيذ البرامج والمشاريع.
وأشار إلى أن إقرار خطة التعافي الاقتصادي وعرضها في محفل دولي حضرته مؤسسات مالية وتنموية كبرى، أتاح للحكومة أن تقدّم رؤيتها لأولويات التمويل بشكل منظم، وأن تؤسس للمرحلة الجديدة التي تقوم على لجان مشتركة بين الحكومة ومجموعة شركاء اليمن لمتابعة تنفيذ الخطة، بما يعيد للدولة دورها الطبيعي في رسم الأولويات وقيادة عملية التعافي.
كما أوضح أن الحكومة فتحت نقاشات مستمرة مع صندوق النقد الدولي في إطار المادة الرابعة، وأن هذه المناقشات تمهّد لبرامج دعم مالي للإصلاحات الاقتصادية وإعادة الإعمار، بالتوازي مع توسيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص والاتجاه نحو أدوات تمويل أكثر حداثة تعتمد على التمويل الممزوج وإشراك القطاع الخاص المحلي.
ثلاث أولويات رئيسة للتمويل التنموي في اليمن
الحكومة اليمنية حدّدت ثلاث حزم رئيسة للأولويات التمويلية في هذه المرحلة، وفق ما عرضه السفير مجيب عثمان:
- حماية استقرار المعيشة والخدمات الأساسية
وتشمل قطاعات الكهرباء والمياه والتعليم والصحة، بوصفها خدمات ترتبط مباشرة باستقرار المجتمع. وأكد أن أي اهتزاز في هذه القطاعات ينعكس فورًا على حياة الناس وأمنهم المعيشي، لذلك تأتي في مقدمة ما تسعى الحكومة لتأمين تمويل مستدام له. - دعم محركات النمو وخلق فرص العمل
مع تركيز خاص على قطاع الزراعة وقطاع الثروة السمكية وسلاسل القيمة المرتبطة بهما، إضافة إلى المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ومشاريع البنية التحتية التي تهيئ بيئة أفضل للاستثمار وتشغيل الشباب، وتدعم عودة النشاط الاقتصادي في مختلف المحافظات. - تعزيز صمود المؤسسات والإصلاحات الهيكلية
حيث تعمل الحكومة على إصلاح إدارة الموارد والإنفاق، وتوسيع التحول الرقمي، وتحسين الحوكمة وبناء القدرات المؤسسية، بما يعزز الشفافية ويرفع كفاءة استخدام الموارد، ويزيد من ثقة المانحين والمستثمرين في الوقت نفسه.
وفي هذا السياق شدّد السفير عثمان على أن قطاع الكهرباء يحتل موقعًا متقدمًا في الأولويات، معتبرًا أنه عمود التنمية والاقتصاد، وأن الاستثمار في القطاعات الإنتاجية والخدمية يحتاج إلى منظومة طاقة مستقرة. ولفت إلى انعقاد المؤتمر الوطني للطاقة لأول مرة، وإعلان رئيس الوزراء تخصيص عام 2026 كعام للكهرباء، في إشارة إلى التركيز المكثف على هذا القطاع خلال المرحلة المقبلة.

البرنامج السعودي: نموذج لانتقال الدعم من الإغاثة إلى التنمية المستدامة
من جانبه، استعرض المهندس حسن العطاس مساعد المشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، تطوّر دور المملكة في دعم اليمن، موضحًا أن العلاقات التاريخية بين البلدين انعكست في مسار طويل من المساندة، كان يغلب عليه في مراحل سابقة الطابع الإغاثي القصير الأجل، ثم اتجه خلال الأعوام الأخيرة إلى نهج تنموي أوسع وأعمق.
وأشار إلى أن المملكة قدّمت منذ عام 2012 حتى 2025 ما يقرب من 12 مليار دولار لدعم الاقتصاد الكلي اليمني، على شكل منح ودائع للبنك المركزي اليمني ودعم للميزانية ومنح مشتقات نفطية لقطاع الكهرباء.
وعن المشاريع المباشرة أوضح العطاس أن البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن نفّذ نحو 268 مشروعًا ومبادرة تنموية في قطاعات التعليم والصحة والزراعة والطرق والمطارات والموانئ والطاقة والمياه وغيرها، بتكلفة تقديرية تصل إلى 1.2 مليار دولار، بهدف تلبية الاحتياجات الأساسية للمجتمعات المحلية وتحسين جودة الحياة وخلق فرص عمل مستدامة.
ولتعظيم الأثر عقد البرنامج أكثر من 45 شراكة مع منظمات محلية وإقليمية ودولية، في إطار مسار يسعى إلى توحيد الجهود وتنسيق التدخلات وتبادل الخبرات، مع التركيز على أن يكون التمويل التنموي مرتبطًا بقياس الأثر على حياة السكان، لا بمجرد حجم الإنفاق.

التعليم ورأس المال البشري في قلب التمويل المبتكر
السيدة لورا فريجنتي، الرئيسة التنفيذية للشراكة العالمية من أجل التعليم، ركزت في كلمتها على أن احتياجات قطاع التعليم في الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات تتزايد، في حين تتراجع الموارد التقليدية المخصصة له، الأمر الذي يفرض البحث عن أدوات تمويل مبتكرة.
وأشارت إلى أن بلدانًا مثل اليمن لا تسعى فقط لإعادة الأطفال إلى المدارس وتحقيق الالتحاق الشامل بالتعليم الأساسي والثانوي، وإنما تبحث أيضًا عن بناء المهارات اللازمة لاقتصاد المستقبل، وهو ما يجعل الاستثمار في التعليم جزءًا من استراتيجية النمو الاقتصادي، وليس بندًا ثانويًا في الإنفاق الاجتماعي.
واستعرضت فريجنتي عددًا من الآليات التي تعمل عليها الشراكة العالمية، من بينها:
- مبادلة الديون لصالح التعليم، بحيث تُحوَّل أجزاء من ديون الدول المنخفضة الدخل إلى برامج تعليمية بدلًا من سدادها نقدًا.
- استكشاف أدوات مثل سندات الجاليات (Diaspora Bonds) التي يمكن أن تستثمر فيها الجاليات اليمنية لدعم التعليم في وطنها.
- توسيع الشراكات مع ممولين غير تقليديين كانوا يركّزون سابقًا على مشروعات البنية التحتية أو القطاع الخاص، وأصبحوا اليوم ينظرون إلى التعليم بوصفه رافعة أساسية للنمو المتوازن.
وفي ختام مداخلتها، رحبت باتفاق الشراكة الذي سيتم توقيعه بين الحكومة اليمنية والشراكة العالمية من أجل التعليم ومنظمة اليونسكو لبدء تنفيذ مشاريع تعليمية في الجمهورية اليمنية بقيمة 40 مليون دولار، مؤكدة أن هذه الخطوة تمهّد لبناء برامج أوسع نطاقًا خلال السنوات المقبلة.

قراءة البنك الدولي: كسر حلقة الفقر في رأس المال البشري
الدكتورة سميرة التويجري، كبيرة خبراء السكان والتنمية في البنك الدولي، قدّمت قراءة صريحة لوضع رأس المال البشري في اليمن، مشيرة إلى أن مؤشر رأس المال البشري في البلاد لا يتجاوز 37%، أي أن الطفل المولود اليوم في اليمن لن يحقق سوى 37% من إمكاناته الإنتاجية مقارنة بطفل يحصل على تغذية وتعليم ورعاية صحية ملائمة.
وأوضحت أن المؤشر يعكس مزيجًا من الفجوات في التعليم والصحة والتغذية وفرص العمل، ويرتبط كذلك بطول أمد النزاع والنزوح الممتد لسنوات، ما يقطع مسارات التعليم والعمل أمام جيل كامل.
وشددت التويجري على أن حجم التحديات يستدعي تعبئة الموارد المحلية بالتوازي مع التمويل الدولي، بحيث تمثل المساهمات المحلية والقطاع الخاص والجاليات جزءًا أصيلًا من منظومة التمويل، مع إمكانية استخدام صيغ تشاركية من نوع «كل دولار محلي يقابله دعم إضافي من الشركاء»، بما يعزّز الشعور بالملكية الوطنية للمشاريع.
كما شددت على أهمية دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وربطها ببرامج حماية اجتماعية، بما يتيح دخول شرائح أوسع من السكان في دورة إنتاجية تكسر حلقة الفقر المدقع.

اليونسكو: خريطة طريق للتعليم وفجوة تمويل تبلغ 720 مليون دولار
من جانبه تناول الأستاذ صلاح خالد مدير مكتب اليونسكو الإقليمي لدول الخليج واليمن، أزمة التعليم في اليمن، مشيرًا إلى وجود أكثر من مليوني طفل خارج النظام التعليمي، كثير منهم فقدوا فرصة الالتحاق بالمدرسة في بدايات الحرب، أو الانتقال إلى التعليم الجامعي.
وأوضح أن اليونسكو انتهت مؤخرًا من إعداد خطة قطاع التعليم لخمس سنوات مقبلة في اليمن، مدعومة بنظام معلومات تعليمي يوفر بيانات محدثة لصنّاع القرار والمانحين، بما يقدم خريطة واضحة للأولويات ومواقع العجز، ويساعد على توجيه التمويل بدقة أكبر.
وأشار إلى أن فجوة التمويل في قطاع التعليم تُقدّر بحوالي 720 مليون دولار، ما يفرض التوسع في البحث عن أدوات تمويل مبتكرة، من بينها:
- تحويل جزء من ديون اليمن إلى استثمارات في التعليم عبر آليات مبادلة الديون.
- بناء تحالفات مع القطاع الخاص، خصوصًا شركات الاتصالات والقطاعات القادرة على الاستثمار في التعليم ضمن مسؤوليتها المجتمعية ذات الأثر المستدام.
- استكشاف فرص الائتمان الكربوني عبر المشاريع التي تحقق منفعة بيئية واقتصادية، وتأهيل المجتمعات للاستفادة من أسواق الكربون العالمية.
وأبدى استعداد اليونسكو للمضي نحو تأسيس صندوق ائتماني متعدد الشركاء يضم المانحين والمؤسسات المالية الدولية والقطاع الخاص، ليكون منصة موحدة لتمويل التعليم في اليمن وتقليل تشتت الجهود وتكرار المشاريع.
رأس المال اليمني في الخارج والشراكة مع القطاع الخاص
في الجزء الختامي من الجلسة عاد السفير مجيب عثمان للحديث عن الخطوات العملية في الفترة المقبلة، كاشفًا عن مشروع يجري الإعداد له لتأسيس رابطة لرجال الأعمال اليمنيين في الخارج، بهدف استقطاب جزء من رأس المال اليمني الذي غادر البلاد خلال السنوات العشر الماضية، والذي تقدّر تقارير البنك الدولي قيمته بنحو 150 مليار دولار.
كما أشار إلى قرار حكومي بتأسيس صندوق لتنمية الاستثمار بالشراكة مع القطاع الخاص، إلى جانب إنشاء وحدة متخصصة للشراكة بين القطاعين العام والخاص تتولى مراجعة المشاريع وتهيئتها وفق معايير دولية، حتى تكون أكثر قدرة على جذب التمويل والاستثمار، قبل طرحها في شكل عطاءات تنافسية تعتمد على أدوات تمويل مبتكرة.
من الإغاثة القصيرة إلى الاستثمار طويل الأجل
المتحدثون أجمعوا على أن إعادة بناء اليمن تحتاج إلى شراكات متعددة الأطراف وتكامل في الأدوار، وأن حجم التحديات يجعل التعاون بين الحكومات والبرامج التنموية والمؤسسات المالية الدولية والقطاع الخاص والجاليات في الخارج عنصرًا لا غنى عنه.
وخلصت الجلسة إلى أن المرحلة المقبلة تستدعي انتقالًا واضحًا من منطق المساعدات الطارئة القصيرة الأجل إلى منطق الاستثمار التنموي طويل الأمد، عبر أدوات تمويل مبتكرة، وحوكمة أعلى للموارد، وتركيز أكبر على التعليم والطاقة والبنية التحتية ورأس المال البشري، بما يضمن أن تتحول النقاشات والأفكار المطروحة إلى مشاريع ملموسة تحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الشعب اليمني.



